رغم شكله
النمطي التجاري الذي يستهوي أكبر قاعدةٍ جماهيريةٍ محليةٍ للسينما الهندية، إلا أن
فيلم التيلوغو Peddi
حاول التوفيق لحدٍ بعيدٍ بين الجانب التجاري الذي يفرض توفر أغلب توابل السينما
الهندية شبه البديهية، وبين عمق الفكرة وواقعية القضية التي يطرحها، حيث كانت
ولازالت القرى القبلية النائية والمهمشة
في الهند – خاصة في وسط وجنوب الهند – تعاني من إهمالٍ شديدٍ، ونقصٍ في الخرائط الرسمية،
وعجزٍ حادٍ في البنية التحتية، بل وحتى عدم تسجيل المواليد والوفيات في سجلات
الحالة المدنية.

يطرح فيلم "بيدي" بشكلٍ مباشرٍ
وصريحٍ مشكل عدم الاعتراف بالتجمعات السكانية في الغابات الداخلية والتلال، وعدم
وجودها حتى في الخرائط الإدارية الرسمية المعتمدة من طرف الدولة، مع التأكيد على
أن فقدان الحق في التصويت هو أكبر سببٍ للتهميش المقصود والممنهج من طرف أعضاء
ونواب البلديات والدوائر والبرلمان، حيث لا فائدة من توفير الماء والكهرباء
والطرقات ومحطات القطار وخطوط السكك الحديدية لفئةٍ سكانيةٍ لا يمكن الاستفادة من
أصواتها في الإنتخابات.
تدور أحداث الفيلم خلال ثمانينيات وتسعينيات
القرن الماضي، لكن مشكل التمييز والتهميش لهذه القرى وانعدام أي هويةٍ لسكانها
لازال قائمًا في الهند لحد الآن، حسب عديد المصادر ووسائل الإعلام الهندية.
بطل الفيلم هو مواطنٌ بدون هويةٍ من قريةٍ
نائيةٍ بسهول إقليم التيلوغو، اسمه Peddi ، ينتقل من كونه رياضيًا بالأجرة يلعب مع الفريق
الذي يدفع أكثر، إلى منافسٍ على الجوائز الوطنية، للتعريف بقريته وانتزاع الاعتراف
الرسمي بها من طرف مسؤولي الإدارة المركزية في العاصمة دلهي.
يؤدي نجم التيلوغو "رام شاران"
الدور الرئيسي في الفيلم، تقريبًا بطولته شبه مطلقةٍ عبر شخصية الشاب
"بيدي"، وبقية فريق الممثلين معه شاركوا إما في أدوارٍ مساعدةٍ أو
ثانويةٍ، حتى الممثلة البوليوودية "جانفي كابور"، لم تكن مساحة دورها
كبيرةً جدًا مقارنةً بدور البطل الرئيسي، كما أن بناء شخصيتها في الفيلم فيه تخلخلٌ
وتناقضٌ في بعض الجوانب، رغم عدم تأثير هذا على قصة وحبكة الفيلم، حيث لم يكن
دورها مؤثرًا كثيرًا، بالمقابل تضمن الفيلم الكثير من الشخصيات الثانوية التي كانت
محوريةً جدًا أكثر من دور "جانفي كابور".
شارك في الفيلم أيضًا النجم المخضرم
"جيفا راج كومار" من سينما الكانادا، والممثل المعروف "بومان
إيراني" من سينما بوليوود، مع ظهورٍ شرفي للممثلة والمغنية التاميلية
"شروتي حسن" في استعراض أغنية Hellallallo.

لكن أغنية Hellallallo لم تكن هي الأبرز والأنجح خلال
الترويج للفيلم قبل نزوله لصالات السينما، بل كانت أغنية Chikiri Chikiri هي الأنجح، حيث حظيت في نسختها
الناطقة بلغة التيلوغو لوحدها بـ 242 مليون مشاهدةٍ منذ بثها على اليوتيوب، تليها
أغنية Rai Rai Raa Raa التي سجلت نسختها الناطقة بلغة التيلوغو منذ بداية بثها حوالي 99
مليون مشاهدةٍ.
وقوة نجاح هذه الأغاني يرجع لملحنها
الموسيقار الهندي الشهير "إ.أر. رحمان" الذي ألف ألحان كلِّ أغاني الفيلم
وكذلك الموسيقى التصويرية، كما أدى بنفسه أغنية Rai Rai Raa Raa بثلاث لغاتٍ مع مطربين آخرين،
بينما أدى المغني "موهيت تشوهان" أغنية Chikiri Chikiri باللغة الهندية وبلغة
التيلوغو.
استعراضات الأغاني كانت بمستوى قوة الألحان
والأداء، خاصةً في أغنيتي Chikiri
Chikiri و Rai Rai Raa Raa، حيث أثبت "رام
شاران" مرةً أخرى قدراتٍ كبيرةٍ في الرقص والاستعراض، زاد من مستوى الإبهار
فيها طريقة التصوير خاصةً اللقطات الجوية والعلوية، والمناظر الطبيعية الحقيقية
التي تم فيها تصوير تلك الاستعراضات، حيث تظهر غابات وجبال جنوب الهند الشاسعة
والمبهرة، دون اللجوء للغرافيك والمؤثرات البصرية في كثيرٍ من المشاهد.
ومن النقاط القوية التي تحسب للفيلم وصناعه
أيضًا، هو كثرة المشاهد الخارجية وواقعية البيئة الهندية الجنوبية النائية، وهي من
عوامل قوة سينمات الجنوب الهندي التي تتفوق فيها أحيانًا كثيرة على بوليوود.
ومع ذلك، لم يخلو الفيلم من مشاهد وتفاصيل
دخيلةٍ على القصة تؤثر مباشرةً على منطقية بناء شخصية البطل والتسلسل الطبيعي
لتدرجه في الانتقال من رياضةٍ لأخرى: من الكريكيت إلى المصارعة إلى العدو مع فئة
ذوي الاحتياجات الخاصة، حيث كان مشهد عراك البطل مع بعض شباب القرية المجاورة شبيهًا
بمشاهد الأكشن التي يبدو فيها البطل وكأنه يتحرك على طريقة محاربي Matrix أو أفلام مارفل، أين تنعدم
الجاذبية في تلك المشاهد، مع أن شخصية البطل حينها لم تصل لمرحلة التدرب على
المصارعة، وكان لا يزال لاعب كريكيت مأجور.
مثل هذه الملاحظات التي يصنفها المشاهد "غير
الهندي" كواحدةٍ من سلبيات العمل، يتقبلها غالبًا الجمهور المحلي في الهند،
بل ويصفق لها طويلًا في صالات السينما، خاصةً لو كانت الشخصية الرئيسية من نجوم
الصف الأوّل، ممن يملكون قاعدةً جماهيريةً هائلةً في إقليمهم، ويعاملون كأنهم
تجسيدٌ لأحد آلهتهم الكثيرة.
وعن إيرادات الفيلم الإجمالية، فقد تضاربت
البيانات من مصدرٍ لآخر، لكن الموقع الهندي المتخصص أورد رقم 341.82 كرور (حوالي
40.9 مليون دولار أمريكي)، مع ميزانية قدرت بـ 350 كرور (حوالي 42 مليون دولار
أمريكي)، وفق ذات الموقع.
كتب قصة فيلم Peddi وأخرجه السينمائي الجنوبي
"بوتشي بابو سانا"، وأنتجه "فينكاتا ساتيش كيلارو" عبر شركة Vriddhi Cinemas، نزل للصالات الهندية
والعالمية في 4 يونيو 2026، وتم بثه على منصة نتفليكس ابتداءً من 10 يوليو 2026.
-- جمال الدين بوزيان / كاتب مختص في السينما الهندية
تاريخ النشر أول مرة: موقع الحوار المتمدن/ 12 أغسطس 2026
الرابط:
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=930260